السيد أحمد الهاشمي

192

جواهر البلاغة

خاتمة علمت أن البلاغة متوقفة على مطابقة الكلام لمقتضى الحال . ورأيت في ما تقدم من الأحكام ، أن مقتضى الحال يجري على مقتضى الظاهر . وهذا بالطبع هو الأصل ، ولكن قد يعدل عما يقتضيه الظاهر إلى خلافه مما تقتضيه الحال في بعض مقامات الكلام ، لاعتبارات يراها المتكلم . وقد تقدم كثير من ذلك العدول المسمى باخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر في الأبواب السابقة . وبقي من هذا القبيل أنواع أخرى كثيرة . الأول : الالتفات : وهو الانتقال من كل تكلم أو الخطاب ، أو الغيبة إلى صاحبه ، لمقتضيات ومناسبات تظهر بالتأمل في مواقع الالتفات ؛ تفننا في الحديث ، وتلوينا للخطاب ، حتى لا يمل السامع من التزام حالة واحدة ، وتنشيطا وحملا على زيادة الإصغاء ، فإن لكل جديد لذة ولبعض مواقعه لطائف ، ملاك إدراكها الذوق السليم . واعلم أن صور العدول إلى الالتفات ستة . 1 - عدول من التكلم إلى الخطاب : كقوله تعالى : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ يس : 22 ] والقياس : وإليه أرجع . 2 - عدول من التكلّم إلى الغيبة : كقوله تعالى : يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [ الزمر : 53 ] . 3 - عدول من الخطاب إلى التكلّم : كقوله تعالى : وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ . 4 - عدول من الخطاب إلى الغيبة : كقوله تعالى : رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [ آل عمران : 9 ] . 5 - عدول من الغيبة إلى التكلم : كقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً [ الفرقان : 48 ] والقياس : وأنزل .